محمد حسين هيكل

67

حياة محمد ( ص )

إسماعيل وعرفه قال لامرأته : أين صاحبك ؟ قالت : ذهب يتصيد ما نعيش به . فسألها أعندها ضيافة من طعام أو شراب ؟ فأجابت بأن ليس عندها شيء . فانصرف إبراهيم بعد أن قال لها : إذا جاء زوجك فأقرئيه مني السلام وقولي له : غير عتبة بيتك . فلما أخبرت إسماعيل بما ذكره أبوه سرّحها وتزوّج جرهميّة أخرى بنت مضاض بن عمرو . وقد أكرمت وفادة إبراهيم لمّا جاء بعد ذلك بزمن . . فلما انصرف طلب إليها أن تقرئ زوجها السلام وتقول له : الآن استقامت عتبة بيتك . وولد لإسماعيل من هذا الزواج اثنا عشر ولدا ، هم آباء العرب المستعربة ، وهم العرب الذين ينتمون من ناحية خؤولتهم في جرهم إلى العرب العاربة أبناء يعرب بن قحطان ؛ فأما أبوهم إسماعيل بن إبراهيم فيمتّ من ناحية أمومته إلى مصر بأوثق نسب ، ومن ناحية أبوته إلى العراق وإلى فلسطين وإلى حيث نزل إبراهيم من أرض اللّه . هذه القصة من قصص التاريخ يكاد ينعقد الإجماع على جملتها من ذهاب إبراهيم وإسماعيل إلى مكة وإن وقع خلاف على التفاصيل . والذين يعرضون لتفاصيل حوادثها بالنقد يروونها على أن هاجر ذهبت بإسماعيل إلى الوادي الذي به مكة اليوم ، وكانت به عيون أقامت جرهم عندها ، فنزلت هاجر منهم أهلا وسهلا لما جاء إبراهيم بها وبابنها . فلمّا شبّ إسماعيل تزوّج جرهميّة ولدت له أولاده . وكان لهذا التلاقح بين إسماعيل العبريّ المصريّ وبين هؤلاء العرب ما جعل ذريته على جانب من العزم وقوة البأس والجمع بين فضائل العرب والعبريين والمصريين . أما ما ورد عن حيرة هاجر لما نضب الماء منها ، وعن سعيها سبعا بين الصفا والمروة ، وعن زمزم وكيف نبع الماء منها ، فموضع شك عندهم . ويرتاب وليم موير في ذهاب إبراهيم وإسماعيل إلى الحجاز وينفي القصة من أساسها ، ويذكر أنها بعض الإسرائيليات ابتدعها اليهود قبل الإسلام بأجيال ليربطوا بها بينهم وبين العرب بالاشتراك في أبوّة إبراهيم لهم أجمعين ، أن كان إسحاق أبا لليهود . فإذا كان أخوه إسماعيل أبا العرب فهم إذا أبناء عمومة توجب على العرب حسن معاملة النازلين بينهم من اليهود ، وتيسر لتجارة اليهود في شبه الجزيرة . ويستند المؤرّخ الإنكليزي في رأيه هذا إلى أن أوضاع العبادة في بلاد العرب لا صلة بينها وبين دين إبراهيم لأنها وثنيّة مغرقة في الوثنية ، وكان إبراهيم حنيفا مسلما . ولسنا نرى مثل هذا التعليل كافيا لنفي واقعة تاريخيّة . فوثنية العرب بعد موت إبراهيم وإسماعيل بقرون كثيرة لا تدلّ على أنهم كانوا كذلك حين جاء إبراهيم إلى الحجاز وحين اشترك وإسماعيل في بناء الكعبة . ولو أنها كانت وثنيّة يومئذ لما أيّد ذلك سير موير ؛ فقد كان قوم إبراهيم يعبدون الأصنام وحاول هو هدايتهم فلم ينجح . فإذا دعا العرب إلى مثل ما دعا إليه قومه فلم ينجح وبقي العرب على عبادة الأوثان لم يطعن ذلك في ذهاب إبراهيم وإسماعيل إلى مكة . بل إن المنطق ليؤيد رواية التاريخ . فإبراهيم الذي خرج من العراق فارّا من أهله إلى فلسطين وإلى مصر ، رجل ألف الارتحال وألف اجتياز الصحارى ؛ والطريق ما بين فلسطين ومكة كان مطروقا من القوافل منذ أقدم العصور ؛ فلا محلّ إذا للريبة في واقعة تاريخية انعقد الإجماع على جملتها . والسير وليم موير والذين ارتأوا في هذه المسألة رأيه يقولون بإمكان انتقال جماعة من أبناء إبراهيم وإسماعيل بعد ذلك من فلسطين إلى بلاد العرب واتصالهم وإياهم بصلة النسب . وما ندري ، وهذا الإمكان جائز عندهم في شأن أبناء إبراهيم وإسماعيل ، كيف لا يكون جائزا في شأن الرجلين بالذات ! وكيف لا يكون ثابتا قطعا ورواية التاريخ تؤكده ! وكيف لا يكون بحيث لا يأتيه الريب وقد ذكره القرآن وتحدّثت به بعض الكتب المقدّسة الآخرى ! .